السيد جعفر مرتضى العاملي
350
صفوة الصحيح من سيرة النبي الأعظم ( ص )
لمجرّد بُعد الشُّقّة وشدّة الزّمان وكثرة العدوّ ، فإنّه قد أرسل قبل سنة وشهرين سريّة إلى مؤتة وهي أبعد من تبوك بكثيرٍ ، لأنّها تقع في تخوم البلقاء من أرض الشّام ، وكانت حشود الأعداء عظيمة وهائلة والشُّقّة أبعد ، وعدد جيش المسلمين لا يصل إلى عُشر عدد الجيش الّذي جهزّه هو . من أجل ذلك نقول : لعلّ الأصحّ هو أنّه قد أراد فيما أراد : 1 . أن يفضح حقيقة نوايا تلك الطّغمة الّتي تتربّص بالإسلام والمسلمين شرّاً ، وهذا ما أشار إليه الشّيخ المفيد « رحمه الله » حيث قال عن تبوك : « فأوحى الله تبارك وتعالى اسمه إلى نبيّه ( ص ) أن يسير إليها بنفسه ، ويستنفر النّاس للخروج معه ، وأعلمه أنّه لا يحتاج فيها إلى حرب ولا يمنى بقتال عدوٍّ ، وأنّ الأمور تنقادله بغير سيف ، وتَعَبَّدَه بامتحان أصحابه بالخروج معه واختبارهم ، ليتميّزوا بذلك ، وتظهر به سرائرهم . فاستنفرهم النّبيّ ( ص ) إلى بلاد الرّوم ، وقد أَيْنَعَت ثمارهم ، « 1 » واشتدّ القيظ « 2 » عليهم ، فأبطأ أكثرهم عن طاعته رغبةً في العاجل وحرصاً على المعيشة وإصلاحها وخوفاً من شدّة القيظ وبعد المسافة ولقاء العدوّ ، ثمّ نهض بعضهم على استثقالٍ للنّهوض وتخلّف آخرون . . . » . « 3 » 2 . إنّه ( ص ) أراد أن يقدم نموذجاً عمليّاً لأمر الإمامة من بعده وذلك بأن يجعل النّاس يتحسّسون الحاجة إلى الحافظ القوي ، والإمام الوصي ، حتّى لايعبث أصحاب الأطماع بمصير النّاس ، ولا يفرضوا عليهم مساراً يؤدّي بهم إلى البوار والهلاك . 3 . إنّ ذلك لابدّ من أن يثير الزّهو والشّعور بالعزّة في مجتمع المسلمين أينما كانوا وحيثما وجدوا ، وسيشدّ أنظارُ كلّ النّاس إليهم وسيشتاقون إلى اللّحاق
--> ( 1 ) 1 . أَيْنَعَ الثّمر : أدرك وطاب وحان قطافه ( 2 ) 2 . القيظ : الشّديد الحرّ ( 3 ) 3 . الإرشاد ، ج 1 ، ص 154 و 155 ، والبحار ، ج 21 ، ص 207 .